فصل: تفسير الآيات (46- 50):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن المشهور بـ «تفسير الثعالبي»



.تفسير الآية رقم (45):

{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)}
وقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النفس بالنفس...} الآية، أي: وكتبنا على بني إسرائيل في التوراة، ومعنى هذه الآية: الخَبَرُ بأن اللَّه تعالى كتَبَ فرضاً على بني إسرائيل؛ أنه مَنْ قَتَل نفساً، فيجب في ذلك أخْذُ نفسه، ثم هذه الأعضاءُ المذكورةُ كذلك، ثم استمر هذا الحكم في هذه الأُمَّة بما عُلِمَ من شرع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس: ورخَّص اللَّه لهذه الأُمَّة، ووسَّع لها بالدِّيَة، ولم يجعلْ لبني إسرائيل ديةً فيما نَزَّل على موسى، والجمهور {أَنَّ النفس بالنفس}: عمومٌ يراد به الخصوصُ في المتماثلين؛ كما ورد في الحديث، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ»، وكذلك قوله سبحانه: {والجروح قِصَاصٌ}: عمومٌ يراد به الخصوصُ فيما لا يخافُ منها على النفْسِ، وكُتُبُ الفقْهِ محَلُّ استيعابِ الكلامِ على هذه المعانيِ.
قال * ص *: {والجروح قِصَاصٌ}، أيْ: ذاتُ قصاصٍ. انتهى.
وقوله سبحانه: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ}، المعنى: أنَّ من تصدَّق بجُرْحه أو دمِ وليه، وعفا، فإنَّ ذلك العَفْوَ كفَّارة لذنوبه يعظم اللَّه أجْره بذلك، قاله ابن عمر وغيره، وفي معناه حديثٌ مرويٌّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قُلْتُ: وهو قوله: صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُصَابُ بِشَيْءٍ فِي جَسَدِهِ فَتَصَدَّقَ بِهِ إلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهِ خَطِيئَةً»، رواه الترمذيُّ. انتهى.
وقيل: المعنى: فذلك العفو كفَّارة للجارحِ عن ذلك الذنْبِ؛ كما أن القِصَاص كفَّارة، فكذلك العفو كفَّارة وأما أجر العافي، فعلى اللَّه تعالى؛ قاله ابن عبَّاس وغيره.
وقيل: المعنى: إذَا جنى جانٍ، فجُهِلَ، وخَفِيَ أمره، فتصدَّق هذا الجاني؛ بأن اعترفَ بذلك، ومكَّنَ من نفسه؛ فذلك الفعْلُ كفَّارة لذنبه.

.تفسير الآيات (46- 50):

{وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)}
وقوله سبحانه: {وَقَفَّيْنَا على ءاثارهم بِعَيسَى ابن مَرْيَمَ...} الآية: الضميرُ في {ءاثارهم} للنبيِّين.
وقوله: {وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ}: خُصَّ المتقون بالذِّكْر؛ لأنهم المقصودُ به في عِلْمِ اللَّه وإنْ كان الجميعُ يدعى إلى توحيدِ اللَّه، ويوعَظُ، ولكنَّ ذلك على غَيْرِ المتَّقين عَمًى وحَيْرةٌ.
وقرأ حمزة وحده: {وَلِيَحْكُمَ} بكسرِ اللامِ، وفتحِ الميمِ؛ على لام كَيْ، ونصبِ الفعلِ بها، والمعنى: وآتيناه الإِنجيل؛ ليتضمَّن الهدى والنور والتصديق، ولِيَحْكُمَ أهله بما أنزل اللَّه فيه، وقرأ باقي السبْعَةِ: {وَلْيَحْكُمْ} بسكون لامِ الأمرِ، وجزمِ الفعلِ، ومعنى أمره لهم بالحكم: أي: هكذا يجبُ عليهم.
قُلْتُ: وإذْ من لازم حكمهم بما أنزلَ اللَّه فيه اتباعهم لنبيِّنا محمد عليه السلام والإيمانُ به؛ كما يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيلِ، قال الفَخْر: قيل: المرادُ: ولْيحكُمْ أهل الإنجيل بما أنزل اللَّه فيه؛ من الدلائلِ الدالَّة على نبوَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم قيل: والمرادُ بالفاسقين: مَنْ لم يَمْتَثِلْ من النصارَى. انتهى، وحَسُن عَقِبَ ذلك التوقيفُ على وعيدِ مَنْ خالف ما أنزل اللَّه.
وقوله سبحانه: {وَمُهَيْمِناً}، أي: جعل اللَّه القُرآن مهيمناً على الكُتُب، يشهد بما فيها من الحقائقِ، وعلى ما نسبه المحرِّفون إليها، فيصحِّح الحقائق، ويُبْطِلُ التحريفَ، وهذا هو معنى {مُهَيْمِناً}، أي: شاهدٌ، ومصدِّقٌ، ومؤتَمَنٌ، وأمينٌ؛ حسَبَ اختلافِ عبارة المفسِّرين في اللفظة، وقال المبرِّد: مهَيْمِن: أصله مُؤَيْمِن؛ بُنِيَ من أَمين؛ أبدلَتْ همزتُهُ هاءً؛ كما قالوا: أَرَقْتُ المَاءَ، وَهَرَقْتُهُ؛ واستحسنه الزَّجَّاج.
وقوله سبحانه: {فاحكم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحق}: المعنى؛ عند الجمهور: إن اخترت أنْ تحكم، فاحكم بينهم بما أنْزَلَ اللَّه، وليسَتْ هذه الآيةُ بناسخةٍ لقوله: {أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} [المائدة: 42].
ثم حذَّر اللَّه تعالى نبيَّه عليه السلام من اتباع أهوائهم.
وقوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا}، أي: لكلِّ أمة؛ قاله الجمهور، وهذا عندهم في الأحكامِ، وأما في المعتَقَدَاتِ، فالدِّين واحدٌ لجميع العالَمِ، ويحتملُ أنْ يكون المرادُ الأنبياءَ، لاسيما وقد تقدَّم ذكرهم، وذكر ما أُنْزِلَ عليهم، وتجيء الآيةُ، معَ هذا الاحتمال تنبيهاً لنبيِّنا محمَّد عليه السلام، أيْ: فاحفظ شرعتك ومنهاجَكَ؛ لئلاَ تستزلَّك اليهودُ، أو غيرُهم في شيء منْه، وأكثرُ المتأوِّلين على أن الشِّرْعَة والمِنْهَاجَ بمعنًى واحدٍ، وهي الطريقُ، وقال ابن عباس وغيره: {شِرْعَةً ومنهاجا}: سبيلاً وسُنَّة، ثم أخبر سبحانه؛ أنه لَوْ شاء، لَجَعَل النَّاس أُمَّةً واحدةً، ولكنه لم يشأْ؛ لأنه أراد اختبارهم وابتلاءهم فيما آتاهم مِنَ الكُتُب والشرائع؛ كذا قال ابنُ جُرَيْج وغيره.
ثم أمر سبحانه باستباق الخيراتِ في امتثال الأوامر، وخَتَمَ سبحانه بالموعظةِ والتَّذْكير بالمعادِ، فقال: {إلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً}، والمعنى: فالبِدَار البِدَارَ.
وقوله سبحانه: {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}، معناه: في الثَّوَاب والعقَاب، فتُخْبَرُونَ به إخبار إيقاعٍ، وهذه الآية بارعةُ الفَصَاحة، جَمَعتِ المعانِيَ الكثيرةَ في الألفاظِ اليسيرة، وكُلُّ كتابِ اللَّه كذلك، إلاَّ أنَّا بقصورِ أفهامنا يَبِينُ لنا في بَعْضٍ أكثرُ ممَّا يبينُ لنا في بعض.
وقوله تعالى: {وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ...} الآية: الهوى مقصورٌ يجمعُ على أهْوَاء، والهَوَاء ممدودٌ يُجْمع على أَهْوِيَةٍ، ثم حذَّر تعالى نبيَّه عليه السلام من اليهودِ؛ أنْ يفتنوه؛ بأنْ يَصْرِفُوه عن شيء ممَّا أنزل اللَّه عليه مِنَ الأحكام؛ لأنهم كانوا يريدُونَ أنْ يخدَعُوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا له مراراً: احكم لنا في نازلةِ كَذَا بكَذَا، ونَتَّبِعَكَ على دينك.
وقوله سبحانه: {فَإِن تَوَلَّوْاْ}، قبله محذوفٌ، تقديره: فإِنْ حكَّموك واستقاموا، فَنِعِمَّا ذلك، وَإِن تَوَلَّوْا {فاعلم...} الآية، وخصَّص سبحانه إصابتهم ببَعْض الذنوبِ دون كلِّها؛ لأن هذا الوعيد إنما هو في الدنيا، وذنُوبُهم نوعانِ: نوعٌ يخصُّهم، ونوعٌ يتعدى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين، وبه توعَّدهم اللَّه في الدنيا، وإنما يعذَّبون بالكُلِّ في الآخرة.
وقال الفَخْر: وجوزُوا ببَعْض الذنوبِ في الدنيا، لأنَّ مجازَاتهُمْ بالبَعْض كافٍ في إهلاكهم وتدميرِهِمْ. انتهى.
وقوله سبحانه: {فاعلم...} الآية: وعد للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد أنجزه بقصَّة بني قَيْنُقَاعٍ، وقصَّةِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وإجلاءِ عُمَرَ أهْلَ خيبَرٍ وفَدَك وغيرهم.
وقوله تعالى: {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الناس لفاسقون}: إشارة إليهم، ويندرجُ في عمومِ الآية غَيْرُهُمْ.
وقوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ}: إشارة إلى الكُهَّان الذين كانُوا يأخْذُون الحُلْوَان، ويحكُمُون بحَسَب الشهوات، {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً}، أي: لا أحد أحسنُ منه حكماً تبارك وتعالى.

.تفسير الآيات (51- 53):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53)}
وقوله سبحانه: {ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَاءَ}: نهى اللَّه سبحانه المؤمنين بهذه الآية عَن اتخاذِ اليهودِ والنصارى أولياءَ في النُّصْرة والخُلْطة المؤدِّية إلى الامتزاج والمعاضَدَة، وحُكْمُ هذه الآيةِ باقٍ، وكلُّ مَنْ أكثر مخالطةَ هذَيْن الصِّنْفين، فله حَظُّه من هذا المَقْت الذي تضمَّنه قوله تعالى: {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}، وسببُ نزولِ هذه الآيةِ أنَّه لَمَّا انقضت بدْرٌ وشَجَر أمر بني قَيْنُقَاعٍ، أراد النبيُّ صلى الله عليه وسلم قَتْلهم، فقام دُونَهم عبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ مخاصِماً، وقال: يا محمَّد، أَحْسِنْ في مَوَالِيَّ، فَإنِّي امرؤ أَخَافَ الدوائِرَ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: قَدْ وهبتُهُمْ لك، ونزلَتِ الآية في ذلك. وقوله عزَّ وجلَّ: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}: جملةٌ مقطوعة من النَّهْيِ.
وقوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}: إنحاء على عبد اللَّه بْنِ أُبَيٍّ، وعلى كلِّ من اتصف بهذه الصفة.
وقوله سبحانه: {فَتَرَى الذين}: المعنى: فترى يا محمد، {الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ}؛ إشارةً إلى عبد اللَّه بْنِ أُبَيٍّ ومَنْ تبعه من المنافقين على مذهبه في حماية بني قَيْنُقَاعٍ.
وقوله تعالى: {يَقُولُونَ نخشى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ}: لفظٌ محفوظٌ عن عبد اللَّه بْنِ أُبَيٍّ ومن تبعه من المنافقين، ودَائِرَةٌ: معناه نَازِلَةٌ من الزمان، وإنما كان ابن أبيٍّ يظهر أنه يستَبْقِيهم لِنُصْرة النبيِّ عليه السلام، وأنه الرأْيُ، وكان يبطنُ خلافَ ذلك.
وقوله سبحانه: {فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بالفتح}، وهو ظهورُ نبيه عليه السلام، وعلوُّ كلمته، وتمكينُهُ مِنْ بني قَيْنُقَاعٍ وقريظَةَ والنَّضِيرِ، وفَتْحُ مكَّة، {أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ} يُهْلِكُ بِهِ أعداءَ الشرع، وهو أيضاً فتْحٌ لا يقع فيه للبَشَر سبَبٌ.
وقرأ ابن الزُّبَيْر: {فَيُصْبِحَ الفُسَّاقُ على مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ}.
وقوله تعالى: {وَيَقُولُ الذين ءَامَنُواْ أهؤلاءآء الذين أَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم}، قرأ نافعٌ وغيره: {يَقُولُ} بغير واو، وقرأ حمزة وغيره: {وَيَقُولُ}، وقرأ أبو عمرو وحْده: {وَيَقُولَ} بالواو، ونصبِ اللامِ؛ فذَهَبَ كثيرٌ من المفسِّرين إلى أنَّ هذا القولَ مِنَ المؤمنين إنما هو إذا جاء الفتْحُ، وحصَلَتْ ندامةُ المنافقين، وفَضَحهم اللَّه تعالى، فحينئذ: يقولُ المؤمنون: {أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ}.
وتحتمل الآيةُ أنْ تكون حكايةً لقولِ المؤمنين في وقْتِ قولِ الذين في قلوبهم مرضٌ: {نخشى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ}: إذ فُهِمَ منهم أنَّ تمسُّكهم باليهودِ إنما هو إرصاد لِلَّهِ ولرسولِهِ، فمَقَتَهم النبيُّ عليه السلام والمؤمنون، وترك لهم النبيُّ عليه السلام بني قَيْنُقَاعٍ؛ رغْبةً في المصلحة والأُلْفة، وأما قراءة أَبي عَمْرٍو: {وَيَقُولَ} بالنصب، فلا يتجه معها أَنْ يكون قولَ المؤمنين إلاَّ عند الفَتْح، وظُهورِ ندامة المنافقينَ، وفَضيحَتِهِمْ.
وقوله تعالى: {جَهْدَ أيمانهم}: نصْبُ {جَهْدَ} على المصدر المؤكِّد، والمعنى: أهؤلاء هم المُقْسِمُون باجتهاد منهم في الأيمانِ؛ إنهم لَمَعَكُمْ، قد ظهر الآنَ منهم مِنْ موالاة اليهودِ، وخَذْلِ الشريعةِ ما يُكَذِّبُ أيمانهم.
وقوله: {حَبِطَتْ أعمالهم}: يحتملُ أنْ يكون إخباراً من اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يكون مِنْ قول المؤمنين، ويحتمل أنْ يكون قوله: {حَبِطَتْ} دعاءً، أي: بَطَلَتْ أعمالُهم.

.تفسير الآيات (54- 59):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59)}
وقوله سبحانه: {ياأيها الذين ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ...} الآية: خطابٌ للمؤمنين إلى يوم القيامة، ومعنى الآية؛ أَنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ وعَدَ هذه الأمة أنَّ من ارتدَّ منها، فإنه يجيءُ سبحانه بقومٍ ينصُرُونَ الدِّين، ويُغْنُونَ عن المرتدِّين.
قال الفَخْر: وقدَّم اللَّه تعالى محبَّته لهم على محبَّتهم له؛ إذ لولا حُبُّه لهم، لما وفَّقهم أنْ صاروا محبِّين له. انتهى، وفي كتاب القصد إلى اللَّه سبحانه؛ للمُحَاسِبِيِّ، قُلْتُ للشيخ: فَهَلْ يَلْحَقُ المحبِّينَ للَّه عزَّ وجلَّ خَوْفٌ؟ قال: نَعَمِ، الخَوْفُ لازمٌ لهم؛ كما لزمهم الإيمَانُ لا يزولُ إلاَّ بزَوَاله، وهذا هو خَوْفُ عذابِ التَّقْصيرِ في بدايتهم؛ حتى إذا صاروا إلى خَوْفِ الفَوْت، صاروا إلى الخوف الذي يكُونُ في أعلى حالٍ، فكان الخوف الأوَّلُ يطرقهم خطراتٍ، وصارِ خوْفُ الفَوْتِ وطنات، قلْتُ: فما الحالَةُ التي تَكْشِفُ عن قلوبهم شَدِيدَ الخَوْف والحُزْن؟ قال: الرجاءُ بحُسْن الظَّنِّ؛ لمعرفتهم بسعة فَضْل اللَّه عزَّ وجلَّ، وأَمَلُهُمْ منه أنْ يظفروا بمرادهم، إذا وَرَدُوا عليه، ولولا حُسْن ظنِّهم بربِّهم، لَتَقطَّعت أنفسهم حسراتٍ، وماتوا كَمَداً، قلْتُ: أيُّ شيءٍ أكثَرُ شُغْلِهِمْ، وما الغالبُ على قلوبِهِمْ في جميعِ أحوالهم؟ قال: كثرةُ الذِّكْر لمحبوبهم على طريق الدوامِ والاستقامةِ، لا يَمَلُّونَ، ولا يَفْتُرُون، وقد أجمع الحكماءُ أنَّ من أحَبَّ شيئاً، أكْثَرَ مِنْ ذكره، ثم قال: قال ذُو النُّونِ: مَا أُولِعَ أحَدٌ بذكْرِ اللَّه إلا أفاد منْهُ حُبَّ اللَّهِ تعالَى. انتهى.
وفي الآية إنحاءٌ على المنافِقِينَ، وعلى من ارتد في مدة النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
قال الفَخْر: وهذه الآيةُ إخبارٌ بغَيْبٍ، وقد وقع الخَبَر على وَفْقِهِ؛ فيكون معجزاً، وقد ارتدَّتِ العربُ وغيرهم أيام أبِي بَكْر، فنَصَر اللَّه الدِّين، وأتى بخَيْرٍ منهم. انتهى.
وقوله سبحانه: {أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين}، معناه: متذلِّلين مِنْ قِبَلِ أنفسهم، غَيْرَ متكبِّرين، وهذا كقوله عزَّ وجلَّ: {أَشِدَّاء عَلَى الكفار رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]؛ وكقوله عليه السلام: «المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ»، وفي قراءة ابن مسعودٍ: {أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ غُلَظَاءَ عَلَى الكَافِرِينَ}.
وقوله تعالى: {وَلاَ يخافون لَوْمَةَ لائِمٍ}: إشارةٌ إلى الرَّدِّ على المنافقين في أَنَّهم يعتَذِرُونَ بممالأَة الأحْلاَفِ والمعارِفِ مِنَ الكفَّار، ويراعُونَ أمرهم، قُلْتُ: وخرَّج أبو بكرِ بْنُ الخطيبِ بسنده على أبي ذِر، قال: «أَوْصَانِي النبيُّ صلى الله عليه وسلم بِسَبْعٍ: أوْصَانِي أَنْ أَنْظُرَ إلى مَنْ هُوَ دُونِي وَلاَ أَنْظُرَ إلى مَنْ هُوَ فَوْقِي يعني: فِي شَأْنِ الدُّنْيَا، وأوْصَانِي بِحُبِّ المَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَوْصَانِي أَنْ أَقُولَ الحَقَّ وَإنْ كَانَ مُرًّا، وَأَوْصَانِي أَنْ أَصِلَ رَحِمِي وَإنْ أَدْبَرَتْ، وَأَوْصَانِي أَلاَّ أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَأَوْصَانِي ألاَّ أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئاً، وَأَوْصَانِي أَنْ أسْتَكْثِرَ مِنْ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ».
انتهى.
وقوله سبحانه: {ذلك فَضْلُ الله}: الإشارةُ ب {ذلك} إلى كون القومِ يحبُّون اللَّه عزَّ وجلَّ ويحبُّهم، وَوَاسِع: معناها ذو سَعَةٍ فيما يملكُ ويُعْطِي وينعم به سبحانه.
وقوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ...} الآية: {إنما} في هذه الآية حاصرةٌ، وقرأ ابن مسعود: {إنَّمَا مَوْلاَكُمُ اللَّهُ}، والزكاةُ هنا: لفظٌ عامٌّ للزكاةِ المفروضةِ، والتطوُّعِ بالصدَقَةِ، ولكلِّ أفعالِ البِرِّ، إذ هي مُنَمِّيَةٌ للحسنات، مطَهِّرة للمَرْءِ مِنْ دَنَسِ السيِّئات، ثم وصفهم سبحانه بتَكْثير الركُوعِ، وخُصَّ بالذكْر؛ لكونه مِنْ أعظم أركان الصلاة، وهي هيئَةُ تواضعٍ، فعبَّر عن جميعِ الصلاَةِ؛ كما قال سبحانه: {والركع السجود} [الحج: 26] هذا هو الصحيحُ.، وهو تأويل الجمهورِ، ولكن اتفق مع ذلك أنَّ عليَّ بْنَ أبي طالِبٍ رضي اللَّه عنه أعطى خاتَمَهُ، وهو راكعٌ.
قال السُّدِّيُّ: وإن اتفَقَ ذلك لعليٍّ، فالآية عامَّة في جميعِ المؤمنين.
ثم أخبر تعالى: أنَّ مَنْ يتولَّى اللَّه ورسولَهُ والمؤمنين، فإنه غالبٌ كُلَّ مَنْ ناوأه، وجاءَتِ العبارةُ عامَّة في أنَّ حِزْبَ اللَّه هم الغالِبُون، ثم نهى سبحانه المؤمنينَ عنِ اتخاذ الَّذينَ اتخذوا دينَنَا هُزُواً ولعباً، وقد ثبت استهزاء الكُفَّار في قوله سبحانه: {إِنَّا كفيناك المستهزءين} [الحجر: 95] وثبت استهزاء أهْل الكتاب في لفظ هذه الآية، وثبت استهزاءُ المُنَافِقِينَ في قولهم لشياطينهم: {إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ} [البقرة: 14].
ثم أمر سبحانه بتَقْواه، ونبَّه النفوسَ بقوله: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
وقوله سبحانه: {وَإِذَا ناديتم إِلَى الصلاة اتخذوها هُزُواً وَلَعِباً...} الآية: إنحاءٌ على اليَهُودِ، وتبيينٌ لسوء فعلهم.
وقوله: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسقون}: معنى المحاورةِ: هَلْ تَنْقِمُونَ منا إلا مجموعَ هذه الحالِ؛ مِنْ أنا مؤمنون، وأنتم فاسقون؛ كما تقول لمن تخاصمه: هل تَنْقِمُ مني إلاَّ أَنْ صَدَقْتُ أَنَا وَكَذَبْتَ أَنْتَ وقال بعضُ المتأوِّلين: {وأنَّ أكثركُمْ}: معطوفٌ علَى {ما}؛ كأَنَّه قال: إِلاَّ أَنْ آمنَّا باللَّهِ وبكُتُبِهِ، وبأنَّ أكثركم فاسقُونَ، وهذا مستقيمُ المعنى، وقال: {أَكْثَرَكُمْ}، من حيث إنَّ فيهم مَنْ آمن؛ كابن سَلاَمٍ وغيرِهِ.